مركز أوسان| عبدالله الشادلي
في لحظة تصعيد إقليمية مشحونة، تتجاوز المواجهة الدائرة حول إيران حدود الضربات العسكرية والرسائل المتبادلة. لتتحول إلى اختبار مفتوح لقدرة النظام على الصمود وإعادة التموضع تحت الضغط. لم يعد النقاش مقتصراً على كلفة التصعيد، بل على احتمالات إحداث تغيير سياسي فعلي. في ظل بنية أمنية متماسكة وخبرة طويلة في إدارة الأزمات المعقدة.
هذا التحول في طبيعة الصراع ينعكس مباشرة على ساحات النفوذ الإيراني وفي مقدمتها اليمن. حيث تلتقي الحسابات المحلية بالرهانات الإقليمية المعقدة والمتداخلة. ويظل مسار السلام هشاً أمام أي اهتزاز كبير في موازين القوى الإقليمية.
حدود الرهان على إضعاف طهران
التقديرات البحثية الغربية، ومن بينها قراءة حديثة صادرة عن معهد Chatham House. تشير إلى أن الضغط العسكري الخارجي قد يرهق إيران لكنه لا يضمن إنتاج بديل سياسي مستقر. فالتجارب المقارنة تظهر أن إسقاط الأنظمة أو إضعافها بالقوة الجوية وحدها نادراً ما يؤدي. إلى انتقال منظم للسلطة خصوصاً في ظل غياب انشقاقات واسعة داخل المؤسسة العسكرية.
المعادلة تبدو أكثر تعقيداً في الحالة الإيرانية حيث يشكل الحرس الثوري ثقلاً عسكرياً واقتصادياً عابراً لمؤسسات الدولة التقليدية. وحتى في حال حدوث انتقال في قمة الهرم السياسي. من المرجح أن تُدار العملية عبر ترتيبات دستورية تُبقي على صورة الاستمرارية. ما يقلل فرص حدوث فراغ جذري يمكن أن يعيد تشكيل السياسة الإقليمية سريعاً.
كما أن الرهان على انتفاضة داخلية سريعة يبقى محفوفاً بالمخاطر في هذه المرحلة. فالمجتمعات التي تواجه ضغوطاً خارجية تميل أحياناً إلى إعادة الاصطفاف خلف الدولة ولو مؤقتاً. ما يمنح النخبة الحاكمة هامشاً إضافياً لإعادة تنظيم صفوفها وترتيب أوراقها. وفي حال فشل هذا الرهان ستجد القوى الدافعة للتصعيد نفسها أمام خيارين مكلفين. التراجع أو الذهاب إلى مستويات أعلى من المواجهة الإقليمية.
اليمن بين التنديد والحسابات الدقيقة
في هذا السياق تبدو جماعة الحوثي في اليمن أمام معادلة دقيقة ومعقدة. فهي من جهة تندد بالتصعيد ضد إيران وتتبنى خطاباً سياسياً متضامناً معها. ومن جهة أخرى تحرص على تأكيد استقلالية قرارها إدراكاً لحساسية اتهامها بالتحرك كوكيل مباشر لطهران.
أي انخراط عسكري مباشر وواسع في مواجهة تُقدَّم على أنها دفاع عن إيران فقط. قد يضعف شرعيتها الداخلية في وقت تحتاج فيه إلى الحفاظ على تماسك جبهتها المحلية. لذلك يُرجَّح أن تواصل معايرة مستوى انخراطها بعناية عبر مزيج من الخطاب التصعيدي والتحركات المحسوبة. ما لم تُستهدف بشكل مباشر يفرض عليها تغيير قواعد الاشتباك القائمة.
غير أن خطورة المشهد تكمن في احتمالات الانزلاق غير المقصود نحو مواجهة أوسع. فوجود روابط عسكرية وأمنية مع أطراف إقليمية قد يرفع مستوى المخاطر إذا توسعت دائرة الاستهداف. عندها قد يتحول اليمن مجدداً إلى ساحة لتبادل الرسائل بين القوى المتصارعة. وهو ما يضع مسار السلام الهش تحت ضغط إضافي ومعقد.
مسار السلام في مهب التوازنات الإقليمية
أي تصعيد كبير في المواجهة مع إيران سينعكس تلقائياً على حسابات الأطراف اليمنية المختلفة. فالتقدم النسبي الذي تحقق في خفض وتيرة العمليات العسكرية خلال الفترات الماضية. ظل مرتبطاً إلى حد بعيد بهوامش التهدئة الإقليمية المتاحة. ومع اتساع دائرة التوتر تتراجع أولويات التسوية لصالح منطق الردع وإعادة التموضع.
كما أن القوى الإقليمية الداعمة لمسار السلام قد تعيد ترتيب أولوياتها الأمنية في هذه المرحلة. ما يبطئ الجهود الدبلوماسية ويجعل الملفات الإنسانية والاقتصادية رهينة للتجاذبات الكبرى. وفي حال تحولت الساحة اليمنية إلى ورقة ضغط متبادلة بين الأطراف الإقليمية. فإن كلفة ذلك لن تكون سياسية فقط بل إنسانية أيضاً في بلد يعاني أصلاً من أزمات معقدة.
في المحصلة لا يبدو أن الصراع حول إيران سيفضي سريعاً إلى تغيير جذري في بنية النظام القائم. لكن ارتداداته على الإقليم قد تكون أعمق وأطول أمداً مما هو متوقع. واليمن بحكم موقعه في معادلة النفوذ يقف عند تقاطع حساس ومفتوح. إما أن ينجح في تحييد مسار سلامه عن العواصف الإقليمية. أو يجد نفسه مجدداً في قلب صراع يتجاوز حدوده الوطنية.
اقرأ أيضا: مقتل خامنئي يصعّد التوتر ويهدد سلام اليمن

صحفي وباحث في الشأن السياسي اليمني


