ارتدادات الصراع الإيراني على معادلة الحرب والسلام في اليمن

مركز أوسان| عبدالله الشادلي


بدأت المرحلة الأحدث من التصعيد مع اتساع العملية العسكرية الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران. وصولاً إلى إعلان القيادة المركزية الأمريكية استهداف الفرقاطة الإيرانية «جماران» قبالة تشابهار. وتأكيد استمرار عملية “الغضب الملحمي”. بالتوازي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدمير عدد من القطع البحرية الإيرانية. وقد حمل ذلك مؤشرا على انتقال المعركة إلى المجال البحري في خليج عُمان وبحر العرب.

هذا التحول البحري ترافق مع ضربات داخل طهران، واغتيال شخصيات عسكرية وأمنية رفيعة، وتأكيد إيراني بتعيين مجلس قيادة مؤقت. في المقابل، ردّت طهران بموجات صاروخية ومسيّرات طالت إسرائيل وعدداً من العواصم الخليجية. ما وسّع رقعة الاشتباك جغرافياً ورفع منسوب المخاطر على الممرات الحيوية.

الخليج في مرمى الصواريخ

الهجمات الإيرانية على أهداف في الإمارات والسعودية وقطر والكويت والبحرين، إضافة إلى استهداف ناقلات قبالة سواحل سلطنة عُمان، أضعفت عملياً موقع مسقط كوسيط تقليدي في الأزمات الإقليمية. الإدانة الخليجية الجماعية عكست تبلور خطاب موحّد يعتبر أن البرنامج الصاروخي الإيراني بات تهديداً مباشراً لأمن المنطقة.

في الوقت ذاته، حاولت طهران ضبط إيقاع الرسائل. فأكد وزير خارجيتها عدم وجود نية لإغلاق مضيق هرمز “في الوقت الحالي”. في إشارة إلى رغبة بإبقاء باب التفاوض مفتوحاً، وهو ما عززه تصريح ترامب بأن القيادة الإيرانية الجديدة “ترغب في التحدث”.

انقسام في الموقف وتباين في الحسابات

على الضفة اليمنية، جاء الموقف منقسماً بوضوح. فقد أعلن مجلس القيادة الرئاسي اليمني إدانته للهجمات الإيرانية على دول الخليج. وحذر الحوثيون من الزج بالبلاد في “حرب دولية مدمرة”، ورافضاً استخدام الأراضي اليمنية منصة لهجمات بالوكالة.

في المقابل، أعلن زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي، السبت 28 فبراير/ شباط، الجهوزية للتحرك دعماً لإيران. واعتبر استهداف القواعد الأمريكية “حقاً مشروعاً”. ودعا أنصاره إلى التظاهر تضامناً مع طهران. هذا التموضع يعكس استمرار اندماج الجماعة في محور إقليمي تقوده إيران، ويضع اليمن مجدداً في قلب معادلة الصراع الأوسع.

أما المجلس الانتقالي الجنوبي، فقد أصدر بيانات تضامن مع الدول التي طالها القصف الإيراني. وأكد أنه كان من أوائل الداعين إلى ردع إيران ونفوذها في المنطقة. هذا الموقف ينسجم مع تموضع المجلس ضمن المعسكر المناهض لطهران، ويعزز تمايزه السياسي في لحظة إقليمية فارقة.

فراغ التأثير وتكثيف الضغوط

يأتي هذا التصعيد في سياق إقليمي تغيّر فيه ميزان الأدوار داخل الملف اليمني. فبعد انكفاء الإمارات تدريجياً عن القيادة المباشرة للملف، تولت السعودية إدارة المسار السياسي والأمني، خصوصاً ما يتعلق بالمفاوضات ومسار السلام.

غير أن هذا الانتقال لم يكن سلساً بالكامل. إذ تتصاعد اتهامات محلية للرياض بممارسة ضغوط على أعضاء فريق المجلس الانتقالي المفاوض في الحوار الجنوبي في الرياض. وكذلك على مكونات داخل مجلس القيادة الرئاسي، بهدف ضبط الإيقاع التفاوضي وتوحيد الموقف تحت سقف أولوياتها الأمنية. ومع انفجار المواجهة الإقليمية، قد تميل السعودية إلى تشديد هذا الضبط خشية انزلاق أي طرف يمني إلى تموضع يعقّد حساباتها الإقليمية.

تداعيات مباشرة على مسار السلام

إقليمياً، أي انخراط عسكري حوثي مباشر – سواء عبر تصعيد بحري في البحر الأحمر أو ضربات عابرة للحدود – سيمنح خصوم الجماعة مبرراً لإعادة تعريفها كجزء من صراع دولي، لا طرفاً يمنياً في نزاع داخلي. وهذا كفيل بتجميد أو إعادة صياغة مسار التهدئة الذي شهد تقدماً نسبياً خلال العامين الماضيين.

داخلياً، قد يدفع التصعيد الأطراف اليمنية إلى إعادة تموضع:

  1. الرئاسي والانتقالي سيجدان نفسيهما أقرب إلى الموقف الخليجي الجماعي.
  2. الحوثيون سيحاولون استثمار التعبئة الشعبية لتعزيز شرعيتهم الثورية.

لكن الخطر الأكبر يكمن في تآكل أولوية الملف اليمني دولياً. فإذا تحوّل الصراع الإيراني–الأمريكي إلى مواجهة طويلة، سيُعاد ترتيب سلّم الأولويات في العواصم الغربية والخليجية، ما قد يُبقي اليمن في حالة “هدنة هشة” بلا أفق سياسي واضح.

خلاصة

اليمن يقف اليوم عند تقاطع حساس بين نارين: نار صراع إقليمي مفتوح، ونار تسوية داخلية غير مكتملة. إذا توسعت المواجهة البحرية وامتدت إلى البحر الأحمر، فإن الجغرافيا اليمنية ستتحول مجدداً إلى ساحة اشتباك بالوكالة. أما إذا نجحت قنوات التهدئة في احتواء التصعيد، فقد تدفع الصدمة الإقليمية الأطراف اليمنية إلى تسريع التفاهمات خشية الانزلاق.

في الحالتين، يتأكد أن مستقبل السلام في اليمن لم يعد شأناً محلياً خالصاً، بل رهناً بتوازنات القوة بين واشنطن وطهران، وبقدرة الرياض على إدارة ملف معقّد في لحظة إقليمية غير مسبوقة.

اقرأ أيضا: التصعيد بين إيران وإسرائيل: من الردع إلى الاستنزاف


مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام

  • تدوينات ذات صلةٍ

    استنزاف أمريكي محتمل وتداعياته على السلام في اليمن

    الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

    تصعيد ضد إيران يربك مسار السلام اليمني

    Ali Khamenei (source: getty)

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *