من الرياض إلى الجنوب: قراءة في تفاعل الورقة الإقليمية مع المزاج الشعبي


مركز أوسان| عبد الله محسن

جاء البيان المشترك بين السعودية وتركيا، الصادر يوم 4 فبراير الجاري، ليقدّم رؤية محدثة تجاه الأزمة اليمنية. مع تأكيد واضح على دعم سيادة البلاد ووحدتها وسلامة أراضيها. والتشديد على مواجهة أي دعم يُقدَّم لما وُصف بـ”كيانات داخلية تهدد الأمن والاستقرار”.

ورغم أن هذه اللغة تشكّل جزءًا من القاموس التقليدي للبيانات الإقليمية، إلا أنها اكتسبت دلالة إضافية في توقيتها الحالي. حيث تشهد الساحة في الجنوب حراكًا شعبيًا آخذًا في الاتساع يرتكز على مطالب صريحة بالاستقلال واستعادة الدولة.

وجاءت هذه المواقف عقب زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الرياض، والتي جرى خلالها التوافق على أهمية تفعيل الاتفاقيات الدفاعية وحماية اليمن من أنماط النفوذ الداخلي التي قد تفتح الباب أمام مزيد من التعقيد.

كما أعربت أنقرة عن تقديرها لاستضافة السعودية الحوار الجنوبي – الجنوبي، بوصفه خطوة ضمن مسار أوسع لإنهاء الأزمة اليمنية.

وعلى الأرض، تتسع رقعة التظاهرات في عدن والمناطق الجنوبية الأخرى، حيث يرفع المتظاهرون مطالب سياسية واضحة. ويعتبرون أنّ “الإرادة الشعبية” هي المرجعية الأساسية لأي تسوية. وأن المجلس الانتقالي الجنوبي يمتلك التفويض الشعبي المطلوب لتمثيل القضية الجنوبية.

في هذا التقاطع بين خطاب دبلوماسي يعيد التشديد على الوحدة، وحراك شعبي يطالب بتغيير جذري، بدا البيان السعودي–التركي جزءًا من مشهد إقليمي أكثر تعقيدًا مما يظهر في صياغته الرسمية.

أزمة مقاربة لا أزمة نص

تعكس القراءة المتأنية للبيان أن الإشكال ليس في صياغته بقدر ما هو في بيئته السياسية. فالسعودية قدمت الحوار الجنوبي منذ يناير الماضي باعتباره منصة جامعة هدفها “توحيد الصف الجنوبي” والدفع نحو سلام مستدام.

لكن التمثيل الذي جرى تقديمه ضمن هذا المسار وُصف في الجنوب بأنه لا يترجم بدقة مزاج الشارع. ولا يعكس حجم القوى المتواجدة على الأرض، الأمر الذي جعل الحوار يبدو – في نظر قطاعات واسعة – أقرب إلى محاولة “إدارة” الأزمة أكثر من كونه المسار القادر فعليًا على إنتاج حلول جوهرية.

في هذا السياق، يقرأ الفاعلين السياسيين والمهتمين بالشأن اليمني تأكيد البيان على “وحدة اليمن” باعتباره عامل ضغط على مشروعية الحوار. إذ يطرح سؤالًا بسيطًا لكنه مهم: إذا كانت حقيقة الحوار الاعتراف بخصوصية القضية الجنوبية والبحث في حلول سياسية تعالج جذورها. فكيف يمكن للبيانات الإقليمية أن تحدد مسبقًا شكل الدولة أو صيغة حل لم يجرِ التفاهم عليها بعد؟

هذا التناقض لا يعني وجود صدام معلن، لكنه يسلّط الضوء على أزمة مقاربة تحتاج إلى إعادة ضبط. بحيث يتاح للمسار السياسي أن يعالج جوهر الخلاف لا أن ينطلق من نهايات جاهزة.

وبمعزل عن مواقف الأطراف. يبقى من الواضح أن الجنوبيين، الذين يعتبرون أن قضيتهم ذات بعد تاريخي وسيادي، لا يرون في التذكير المتكرر بوحدة اليمن استجابة كافية لطموحاتهم السياسية.

ومع ذلك، يظل المزاج العام في الجنوب ميالًا – بقدر كبير – إلى خيارات تراعي الاستقرار وتخفض منسوب التوتر، شرط ألا تُختزل المطالب الشعبية.

توازنات الإقليم واتجاهات الجنوب

يشير اتجاه واسع داخل الأوساط السياسية والإعلامية إلى أن التفاهم السعودي–التركي يعكس تحولًا في بنية التحالفات الإقليمية، ويأتي ضمن حراك يهدف إلى استيعاب متغيرات المنطقة من خلال مقاربات أكثر مرونة.

ويظهر هذا التحول في اليمن تحديدًا من خلال نمط من الانفتاح السعودي على فاعلين محليين ذوي طابع سياسي–ديني، وهو توجه يختلف عن منهجية الرياض التقليدية التي كانت تتسم بالحذر إزاء الأطر الأيديولوجية.

هذا التغيير ترافق مع تصاعد حملات إعلامية في المنصات السعودية – الرسمية وشبه الرسمية – تجاه المجلس الانتقالي الجنوبي. وبرغم تعدد دوافع هذه الحملات، إلا أنّ أثرها في الجنوب كان واضحًا: تعزيز الشعور بأن ثمة هوّة بين الخطاب الإقليمي والحراك الشعبي، وأن المسار السياسي قد يتأثر بحسابات لا تتصل مباشرة بمطالب الناس.

في المقابل، تتمسك شرائح واسعة في الجنوب بخيار الحوار، باعتباره المسار الأقل كلفة والأكثر قابلية للبناء عليه، شرط أن يكون ذا مضمون سياسي حقيقي لا مجرد إطار شكلي.

كما ينظر كثيرون بقلق إلى أي ترتيبات إقليمية لا تأخذ في الاعتبار خصوصية الجنوب ووزنه السياسي، خشية من إعادة إنتاج أخطاء سابقة انتهت بمزيد من الانقسام.

تظهر القراءة العميقة للبيان السعودي–التركي أن الأزمة ليست في اللغة المستخدمة، بل في مدى قدرتها على التفاعل مع واقع جنوبي متغيّر يتقدم سريعًا على مسارات الأرض.

وفي حين تحرص البيانات الإقليمية على التذكير بوحدة اليمن، يواصل الجنوبيون رفع مطالبهم السياسية بما يعكس رغبة في إعادة صياغة المستقبل بطريقة تستوعب الذاكرة والتاريخ والهوية.

وفي مثل هذا التوازن الدقيق، يبدو أن نجاح المسار يعتمد على استعداد الأطراف الإقليمية لتكييف مقاربتها بما يضمن ألا يتحول الملف اليمني إلى ساحة صراع نفوذ، بل مساحة لإعادة بناء سلام ممكن.

مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام: من الرياض إلى الجنوب: قراءة في تفاعل الورقة الإقليمية مع المزاج الشعبي

  • تدوينات ذات صلةٍ

    استنزاف أمريكي محتمل وتداعياته على السلام في اليمن

    الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

    تصعيد ضد إيران يربك مسار السلام اليمني

    Ali Khamenei (source: getty)

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *