مركز أوسان| عبدالله الشادلي
لم يعد تسارع الضربات والردود في محيط إيران حدثاً عابراً في سياق صراع تقليدي، بل تحول إلى لحظة مفصلية تعيد رسم أولويات الأمن الإقليمي وملامح السلام في اليمن. فالمواجهة الجارية لا تختبر فقط قدرات الردع العسكرية، بل تضع النظام الإقليمي برمّته أمام سؤال الاستقرار: هل يقود التصعيد إلى إعادة ضبط التوازنات، أم إلى فتح أبواب فوضى ممتدة تتجاوز حدود ساحات الاشتباك المباشر؟
ويرى معهد New Lines Institute في أحدث قراءة له حول الأحداث الراهنة أن استهداف المرشد الإيراني يبعث برسالة واضحة بشأن اختلال ميزان القوة لصالح واشنطن وتل أبيب. لكنه في الوقت ذاته، يرى أنه، قد يحمل نتائج عكسية تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة. فمثل هذه الضربات، وإن حققت أهدافاً تكتيكية، قد تدفع إلى تعزيز التماسك الداخلي في إيران بدلاً من إضعاف النظام سياسياً، عبر تحفيز مشاعر الالتفاف حول السيادة الوطنية في مواجهة الهجوم الخارجي.
هذا التوصيف يضع المنطقة أمام معادلة مزدوجة. تفوق عسكري ظاهر يقابله غموض سياسي بشأن “اليوم التالي”. وفي ظل هذا الغموض، تبدو الساحات المرتبطة بالنفوذ الإيراني، ومن بينها اليمن، أكثر عرضة لتداعيات تتجاوز حدود المواجهة المباشرة.
غموض استراتيجي
يشير التحليل إلى أن الرهان على أن إقصاء القيادة سيقود إلى تفكك النخبة الحاكمة أو صراع داخلي يُفضي إلى صعود قيادة أكثر مرونة، يبقى افتراضاً غير مضمون. ففي لحظات الهجوم الخارجي، تميل المجتمعات إلى الالتفاف حول رمزية السيادة الوطنية، ما قد يعزز النزعة الأمنية بدلاً من إضعافها.
كما يحذر من أن إسقاط القيادات لا يوازي بالضرورة بناء بديل مستقر. تجارب التدخلات الأمريكية في Afghanistan وIraq تُظهر أن إزالة النظام لا تعني انتقالاً سلساً نحو الديمقراطية، بل قد تفتح الباب أمام فراغ سلطة وصراعات نخب وصعود مقاربات أمنية أكثر تشدداً. وفي حالة إيران، ذات البنية المؤسسية المعقدة، قد يكون احتمال تشكل نظام أمني قومي أكثر ترجيحاً من بروز نظام مدني موالٍ للغرب.
عملياتياً، قد تتحقق أهداف عسكرية مباشرة، لكن الكلفة الإقليمية قد تكون مرتفعة. حيث أن تهديد الملاحة في الخليج وإغلاق مجالات جوية، وتعطل حركة التجارة، كلها مؤشرات على أن المواجهة لم تعد محدودة. لكنها باتت ذات تداعيات اقتصادية ممنهجة وعابرة للحدود، تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة والاستقرار المالي العالمي.
الانعكاسات على اليمن
في اليمن، لا يمكن فصل مسار السلام عن السياق الإقليمي الأوسع. فكلما ارتفع منسوب التوتر بين إيران وخصومها، تقلصت هوامش التهدئة في الساحات المرتبطة بها. جماعة الحوثي، التي ترتبط سياسياً بطهران، تجد نفسها أمام مشهد معقد: تضامن سياسي مع إيران من جهة، وحسابات داخلية تتعلق بشرعيتها وموقعها في أي تسوية يمنية من جهة أخرى.
إذا تحولت المواجهة إلى صراع طويل الأمد ذي كلفة اقتصادية واسعة، فإن اليمن سيكون من أكثر الدول تأثراً. ارتفاع أسعار النفط واضطراب سلاسل الإمداد قد يزيد الضغوط على الاقتصاد اليمني المنهك، ويعمّق الأزمة الإنسانية، ما يضعف البيئة الحاضنة لأي عملية سلام مستدامة.
كما أن انشغال القوى الإقليمية بملف إيران قد يؤجل أولويات التسوية في اليمن. فالمحادثات غير المباشرة، وترتيبات وقف إطلاق النار، وخطوات بناء الثقة، جميعها تحتاج إلى مناخ إقليمي أقل استقطاباً. أما في ظل تصعيد مفتوح، فقد تُستخدم الورقة اليمنية كأداة ضغط متبادلة، ما يهدد بتحويل مسار السلام إلى رهينة للتجاذبات الكبرى.
السلام اليمني بين الفرصة والمخاطر
التحليل الصادر عن معهد نيو لاينز يحذر من أن غياب رؤية سياسية واضحة لمرحلة ما بعد التصعيد قد يحول النجاح التكتيكي إلى فوضى استراتيجية. هذه الفوضى، إن تحققت، لن تقتصر على الداخل الإيراني، لكنها سنعكس على الإقليم بأسره، بما في ذلك اليمن.
السلام في اليمن لا يعتمد فقط على تفاهمات محلية، بل على توازنات إقليمية تسمح بخفض التصعيد وإعادة ترتيب الأولويات. وإذا كان إضعاف إيران هدفاً قابلاً للتحقيق عسكرياً، فإن غياب تصور لنهاية سياسية محددة يزيد احتمالات اتساع الصراع، وهو ما يضع عملية السلام اليمنية أمام اختبار جديد.
وأمام كل هذه التطورات، يقف اليمن عند مفترق طرق حساس. فإما أن تنجح الأطراف في تحييد الملف اليمني عن عواصف المواجهة الإقليمية. أو يتحول التصعيد ضد إيران إلى عامل إضافي يعقّد طريق التسوية، ويطيل أمد الصراع في بلد لم يتعاف بعد من تداعيات حربه الطويلة.

صحفي وباحث في الشأن السياسي اليمني


