مركز أوسان| مريم عمر
في تقدير تحليلي صادر عن مركز مركز أوسان للإعلام وتحليل السلام، يطرح المركز سؤال جوهري: هل يمكن أن تفشل الولايات المتحدة في مواجهة إيران رغم اختلال ميزان القوة لصالحها؟ السؤال لا يُقارب من زاوية التفوق العسكري فحسب، بل من زاوية دروس التاريخ واختلاف العقائد القتالية، وانعكاسات ذلك على استقرار الإقليم ومسارات السلام، وفي مقدمتها عملية السلام في اليمن.
حدود التفوق العسكري
يشير التقدير إلى أن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة حسم الصراعات المعقدة. فالتاريخ الأمريكي حافل بمحطات أظهرت محدودية القوة الصلبة حين تزج في بيئات غير مستقرة أو رهانات سياسية غير مكتملة. من “كارثة خليج الخنازير” في كوبا إلى عملية “مخلب النسر” في إيران عام 1980. وتكشف التجارب أن الفشل العملياتي قد يتحول إلى مكسب رمزي وسياسي للخصم، يعزز تماسكه الداخلي بدل أن يضعفه.
في المقابل، تقوم العقيدة الإيرانية على ما يعرف بـ“الصبر الاستراتيجي” وإدارة الصراع على مدى طويل، كما حدث خلال الحرب مع العراق في الثمانينيات. هذا التباين بين مقاربة الضربات السريعة التي ارتبطت بسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومنهج النفس الطويل لدى طهران، قد يجعل أي مواجهة مفتوحة مرشحة للاستنزاف بدلاً من الحسم السريع.
من منظور مركز أوسان، فإن الخطر لا يكمن فقط في احتمال الفشل العسكري، بل في ما يترتب عليه سياسياً: تصاعد النزعة القومية داخل إيران، وتوسيع ساحات الرد غير المباشر، وامتداد المواجهة إلى ملفات إقليمية عالقة.
اليمن واستنزاف فرص التهدئة
في هذا السياق، تبرز اليمن كساحة شديدة الحساسية. فإذا دخلت المواجهة الأمريكية–الإيرانية مرحلة استنزاف طويلة، فإن الساحات المرتبطة بطهران قد تتحول إلى أدوات ضغط متبادلة. وهنا يزداد خطر انزلاق اليمن مجدداً إلى دائرة التصعيد، سواء عبر توسيع نطاق العمليات أو عبر توظيف الملف اليمني في حسابات الردع الإقليمي.
رغم ذلك، يرى مركز أوسان أن الصورة ليست أحادية. فالفشل الأمريكي المحتمل – إن حدث – قد يدفع واشنطن وحلفاءها إلى إعادة تقييم أولوياتهم، والانتقال من منطق المواجهة الشاملة إلى احتواء التوتر. وفي مثل هذا السيناريو، قد تبرز نافذة لإعادة تنشيط المسارات السياسية في اليمن، باعتبار أن خفض التصعيد في الساحات الثانوية يصبح مصلحة مشتركة.
غير أن السيناريو المعاكس يظل قائماً: فاستنزاف طويل قد يدفع جميع الأطراف إلى التشدد، ما يقلص هامش المناورة أمام الوسطاء، ويؤجل خطوات بناء الثقة الضرورية لأي اتفاق دائم.
سلام أمام اختبار جديد
عملية السلام في اليمن ترتبط، إلى حد بعيد، بدرجة الاستقطاب الإقليمي. كلما ارتفعت حدة المواجهة بين واشنطن وطهران، تضاءلت فرص تثبيت وقف إطلاق نار شامل، أو إحراز تقدم في الملفات الاقتصادية والإنسانية.
وإذا صحت فرضية أن المواجهة قد تتحول إلى صراع طويل الأمد. فإن الأولوية ستتحول من بناء تسوية سياسية في اليمن إلى إدارة المخاطر الأمنية الأوسع. وهذا يعني عملياً تجميد العملية السياسية أو إبقاءها في حدودها الدنيا، دون اختراقات جوهرية.
يخلص مركز أوسان إلى أن الرهان على الحسم العسكري السريع ضد إيران قد يكون وهماً مكلفاً. وأن أي فشل أو استنزاف مطول ستكون له ارتدادات مباشرة على فرص السلام في اليمن. فاستقرار هذا البلد لا ينفصل عن توازنات الإقليم، وأي خلل كبير في تلك التوازنات قد يعيد ترتيب الأولويات بعيداً عن طاولة المفاوضات.
في المحصلة، لا يتعلق السؤال بما إذا كانت أمريكا قادرة عسكرياً على مواجهة إيران، بل بما إذا كانت كلفة هذه المواجهة – نجاحاً أو فشلاً – ستقود إلى بيئة أكثر ملاءمة للسلام، أم إلى دورة جديدة من عدم اليقين تبقي اليمن عالقاً في مهب صراع يتجاوز حدوده.

المدير التنفيذي لمركز أوسان للإعلام وتحليل السلام


