هل يعيش تنظيم القاعدة في اليمن مرحلة كمون أم إعادة تموضع؟

مركز أوسان| عبدالله محسن


لم تعد قراءة تحركات تنظيم القاعدة في جزيرة العرب ممكنة من زاوية الصعود أو الانحسار فقط. بل باتت تتطلب فهماً أعمق لطبيعة التحول في سلوكه الاستراتيجي. فالتنظيم الذي خسر قدرته على فرض سيطرة جغرافية واسعة أو تنفيذ عمليات عابرة للحدود ذات صدى عالمي، لم يدخل في المقابل مرحلة تفكك نهائي. ما يظهر اليوم هو نمط مختلف من إدارة الصراع، يقوم على تقليص الانكشاف، وتخفيض كلفة المواجهة، وإعادة ترتيب الأولويات في بيئة يمنية شديدة التقلب.

هذا التحول لا يعني أن التنظيم تخلى عن أهدافه الكبرى، لكنه يعكس إدراكاً متنامياً بأن شروط المرحلة لم تعد تسمح بمغامرات توسعية مفتوحة. فبدلاً من السعي إلى “التمكين” كما في مراحل سابقة، يبدو أن القيادة الحالية اختارت استراتيجية الترقب. حيث يدار النشاط وفق حسابات البقاء وتوازن القوى، لا وفق اندفاعة أيديولوجية صدامية.

إعادة تعريف البقاء

تظهر المعطيات الميدانية أن التنظيم أعاد ضبط علاقاته مع مختلف الفاعلين المحليين. فالمواجهة تتركز بشكل أساسي مع قوات مكافحة الإرهاب المرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي، في حين تشير تقارير إلى وجود تفاهمات غير معلنة مع الحوثيين تقوم على تجنب الصدام المباشر.

هذه الترتيبات — إن صحت — لا تعكس تقارباً أيديولوجياً، بل قراءة براغماتية لخريطة الاستنزاف. ففي بيئة متعددة الجبهات، يصبح تقليص عدد الخصوم أولوية تكتيكية. ومن هذا المنظور، لا يسعى التنظيم إلى فرض نموذج حكم أو إعلان سيطرة إقليمية، بقدر ما يعمل على الاندماج في التوازنات المحلية، من هشاشة الدولة وتداخل الاقتصاد غير الرسمي مع النزاع المسلح.

كما أن العلاقة مع القبائل باتت تدار بمنطق التعايش لا الهيمنة، وهو تحول يعكس إدراكاً بأن فرض السيطرة بالقوة لم يعد خياراً مستداماً في السياق الحالي.

حدود القوة وفرص التمدد

رغم استمرار الخطاب المرتبط بـ“الجهاد العالمي”، تبدو قدرة التنظيم على تنفيذ عمليات خارجية نوعية محدودة في المدى المنظور، بفعل الضغوط الأمنية وتراجع الموارد البشرية والمالية. إلا أن تراجع الطموح لا يعني زوال التهديد.

الخطر يكمن في طبيعة البيئة اليمنية نفسها، حيث تؤدي التحولات العسكرية وإعادة انتشار القوات إلى خلق فراغات مؤقتة يمكن استغلالها. ففي لحظات اختلال التوازن، قد ترتفع وتيرة الهجمات محلياً، حتى دون انتقال التنظيم إلى مرحلة توسع جغرافي واسع.

إضافة إلى ذلك، فإن تقاطع شبكات التهريب الإقليمية مع بيئة البحر الأحمر، واحتمالات التواصل مع جماعات مسلحة خارج اليمن، يفتحان هامشاً لتعقيد المشهد الأمني، ولو بقي النشاط في إطار منخفض الحدة.

في المحصلة، لا يقف تنظيم القاعدة في جزيرة العرب على أعتاب عودة دراماتيكية، لكنه أيضاً لم يدخل مرحلة أفول حاسم. هو تنظيم يعيد تموضعه في لحظة سيولة إقليمية، محاولاً الحفاظ على الحد الأدنى من الفاعلية بانتظار تحولات قد تتيح له توسيع الهامش مجدداً. وبين كمون محسوب وفرص عابرة، يبقى مسار التنظيم رهنا بقدرة الفاعلين المحليين على تقليص الفراغات التي يتغذى منها.

لقراءة المزيد من موقع مركز أوسان

______________________________

  • تدوينات ذات صلةٍ

    استنزاف أمريكي محتمل وتداعياته على السلام في اليمن

    الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

    تصعيد ضد إيران يربك مسار السلام اليمني

    Ali Khamenei (source: getty)

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *