لماذا لم تعد الدبلوماسية خيارًا كافيًا لطهران؟

مركز أوسان | عبدالله الشادلي


لم يعد تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة يقرأ فقط من زاوية تعثر الدبلوماسية أو فشل جولات التفاوض المتقطعة. لكنه بات يعكس تحوّلًا أعمق في طريقة تفكير صناع القرار في طهران. فالمعادلة التي حكمت سلوك الجمهورية الإسلامية لعقود، والقائمة على تجنب الحرب باعتبارها تهديدًا وجوديًا، تشهد إعادة نظر جوهرية. حيث عاد تعريف المواجهة العسكرية لا بوصفها كارثة حتمية، بل كخيار استراتيجي قابل للإدارة في ظل انسداد الأفق السياسي.

هذا التحول لا يعني بالضرورة أن إيران تسعى إلى حرب شاملة. لكنه يكشف عن قناعة متنامية بأن الاستمرار في مسار التفاوض، بصيغته الحالية، بات أكثر كلفة على النظام من المخاطرة بتصعيد محسوب. فالدبلوماسية، من منظور طهران، لم تعد أداة لتخفيف الضغوط، بل تحولت إلى مسار استنزاف تدريجي، فرصت فيه تنازلات متراكمة دون مقابل سياسي أو اقتصادي ملموس.

مأزق التفاوض المستدام

تُظهر التجربة الإيرانية خلال السنوات الأخيرة أن المفاوضات مع واشنطن وحلفائها لم تؤدِ إلى رفع فعلي للعقوبات أو إعادة دمج الاقتصاد الإيراني في النظام المالي العالمي. وعلى العكس، ترى أن الإطار التفاوضي القائم صُمم لإدارة الأزمة لا حلّها. بحيث تبقى إيران تحت ضغط دائم، مع هامش ضيق للمناورة.

في هذا السياق، لم تعد المشكلة في استحالة التوصل إلى اتفاق، بل في طبيعة الاتفاق الممكن ذاته. فكل جولة تفاوض جديدة يمكن قراءتها داخليًا على أنها خطوة إضافية نحو تقليص أدوات الردع الإيرانية، سواء في المجال النووي أو الصاروخي أو عبر النفوذ الإقليمي. ومع تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية في الداخل، بات من الصعب على النظام تبرير استمرار هذا المسار دون نتائج واضحة.

الأخطر بالنسبة لطهران هو أن الدبلوماسية فقدت قدرتها على إنتاج “الردع النفسي”. فالتنازلات المتتالية، حتى وإن كانت تقنية، تترجم داخلياً على أنها ضعف، ما يهدد بتآكل تماسك النخبة الحاكمة وقدرتها على ضبط الشارع، في لحظة حساسة تتقاطع فيها الأزمات الاقتصادية مع الاحتقان السياسي.

حسابات المواجهة المحسوبة

في المقابل، تبنى مقاربة المواجهة في الذهن الإيراني على افتراضات محددة. أبرزها أن الولايات المتحدة لا ترغب في الانخراط في حرب طويلة أو مكلفة في الشرق الأوسط. ووفق هذا التصور، فإن أي تصعيد لا يصل إلى مستوى التدخل البري الواسع يعد قابلًا للاحتواء. ويمكن التحكم في إيقاعه عبر توسيع رقعة الضغط إقليميًا.

ترى طهران أن تصدير كلفة المواجهة إلى حلفاء واشنطن في المنطقة قد يحوّل أي صراع محدود إلى عبء سياسي واقتصادي ثقيل على الإدارة الأمريكية. خاصة في ظل أولويات عالمية أخرى أكثر إلحاحًا. كما ينظر إلى التوتر المستدام كأداة لإعادة فرض الانضباط داخليًا. عبر استحضار منطق “التهديد الخارجي” الذي لطالما استخدمه النظام لتعزيز تماسكه.

ومع ذلك، لا تخلو هذه الحسابات من مخاطر جسيمة. فالتصعيد المحسوب قد ينفلت بسهولة في بيئة إقليمية هشة، حيث تتداخل خطوط الاشتباك وتتشابك المصالح. كما أن الرهان على تجنب واشنطن لحرب طويلة قد لا يصمد أمام تغيّر المعادلات السياسية أو وقوع حادثة كبيرة غير محسوبة.

في المحصلة، يبدو أن إيران لا تتجه نحو الحرب بدافع المغامرة، بل بدافع الشعور بأن البدائل تضيق. وبين دبلوماسية تستنزف فيها أوراق القوة، ومواجهة يُعاد فيها خلط التوازنات. تحاول طهران اختيار المسار الذي ترى فيه فرصة أكبر للبقاء، حتى وإن كان محفوفًا بأعلى درجات المخاطرة.

لمزيد من الموضوعات اصغط هنا


  • تدوينات ذات صلةٍ

    استنزاف أمريكي محتمل وتداعياته على السلام في اليمن

    الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

    تصعيد ضد إيران يربك مسار السلام اليمني

    Ali Khamenei (source: getty)

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *